ابن تغري

132

المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي

غليظ الأصابع ، سميك الأكارع ، مستكمل البنية ، مسترسل اللحية ، أشل اليد ، أعرج اليمنى ، تتوقد عيناه ، جهوري الصوت ، لا يهاب الموت ، قد بلغ الثمانين وهو متمتع بحواسه « 1 » وقوته . وكان يكره المزاح ، ويبغض الكذاب ، قليل الميل إلى اللهو ، على أنه كان يعجبه ، وكان نقش خاتمه راستى « 2 » رستى ومعناه « 3 » صدقت نجوت ، وكان لا يجرى في مجلسه شئ من الكلام الفاحش ولا يذكر فيه سفك دماء ولا سبى ولا نهب ولا غارة ، وكان مهابا مطاعا ، شجاعا مقداما ، يجب الشجعان ويقدمهم ، وكانت له فراسات عجيبة ، وله سعد عظيم وحظ زائد من رعيته ، وكان له عزم ثابت وفهم دقيق ، محجاجا جدلا ، سريع الإدراك ، ريّضا متيقظا يفهم الرمز ، ويدرك اللمحة ، ولا يخفى عليه تلبيس ملبّس [ 152 أ ] وكان إذا أمر بشئ لا يرد عنه ، وإذا عزم على رأى لا ينثني عنه ، لئلا ينسب إلى قلة الثبات . وكان يقال له صاحب قران « 4 » الأقاليم السبعة ، وقهرمان الماء والطين ، قاهر الملوك والسلاطين . وكان مغرما بسماع التاريخ وقصص الأنبياء عليهم السلام ، حتى صار لمعرفتها يرد على القارئ إذا غلط فيها في القرآن . وكان يحب أهل العلم والعلماء ، ويقرب السادة الأشراف ، ويدنى منه أرباب الفضائل في العلوم والصنائع ، ويقدمهم على كل أحد ، وكان انبساطه بهيبه ووقار ، وكان يباحث أهل العلم وينصف

--> ( 1 ) « من حواسه » في ن . ( 2 ) « رستى رمتى ؟ ؟ ؟ » في نسخ المخطوط ، والنصيح من عجائب المقدور ص 315 . ( 3 ) « وكان معناه » في ط ، ن ، و « كان » مشطوبة في س . ( 4 ) صاحب القرآن : لفظ فارسي بقصد به صاحب المنزلة الرفيعة - الألقاب الإسلامية هي 374 .